السيد عبد الأعلى السبزواري
259
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [ سورة الأعراف ، الآية : 160 ] ويمكن الجمع بينه وبين المقام باختلاف المراتب شدة وضعفا ، لأجل القرائن المحفوفة بالموضوع . وكانت عدد العيون المنفجرة بعدد الأسباط لكل سبط مشرب معين لا يتعداه إلى غيره ، كما في الآية المباركة . قوله تعالى : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ . العلم إما بإلهام منه عزّ وجل ذلك لهم ، أو بجعل من موسى ( عليه السلام ) أو بالتباني على ذلك ليختار كل أناس مشربهم فلا يقعوا في التنافس والتزاحم . قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ . المراد من الرزق هنا هو الحاصل من عالم الغيب كما مر أي : كلوا مما رزقكم اللّه من المن والسلوى واشربوا مما فجرناه من الصخرة . وقد تقدم في أول السورة معنى الرزق . قوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . العيث : شدة الفساد ، أي : لا تبالغوا في الفساد في الأرض . وفي الآية المباركة إيماء إلى أن كل فساد في الأرض عظيم وشديد ، أو أن الفساد يجب أن يتحرز حتّى عن موهومه فضلا عن مظنونه ومعلومه . وورود النهي عقيب الإنعام فيه إيماء أيضا إلى أن النعمة يجب أن لا تكون سببا لفسادهم ؛ فلا يقابلوها بالغي والكفران . ويعرف من ذلك أن فساد بني إسرائيل وتبديلهم نعم اللّه تعالى بالكفران لا ينفك عنهم وقد طبعوا على ذلك ، كما شاهد ذلك نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) في مشركي قريش ويهود عصر التنزيل . ثم إنّ حكم الآية عام لا يختص بخصوص المورد كما في كثير من الآيات ، ولعله لذلك التفت من سياق الكلام السابق إلى سياق آخر . والأمر بالأكل والشرب للإباحة لجميع ما لم ينه الشارع عن أكله وشربه ، ولعامة أفراد الناس . وظهور الماء من الحجارة بعصا موسى ( عليه السلام ) مذكور في التوراة